أحمد بن علي القلقشندي
164
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يلبس بها ثوب الثناء قشيبا ويجرّ بها رداء السّعد رقيما ، وتقاضت له عوارفنا معارفه الَّتي لم يزل عقدها في جيد المراتب السّنيّة نظيما ، وتطلَّع إليه مكانه فكأنّه بقدم هجرته لم يبرح فيه وإن بعد عنه مقيما - من لم يزل قلمه بصرفه في أسنى ممالكنا الشّريفة كاسمه سعيدا ، وطرف نظره فيما يليه من المناصب السّنيّة يريه من المصالح ما كان غائبا ويدني إليه من أسباب التّدبير ما كان بعيدا ؛ فما أعمل في مصالح الدولة القاهرة قلما إلا وأقبلت نحوه وجوه الأموال سافرة ، ولا لحظ في مهمّات وظائفها أمرا إلَّا وعاودته أسباب التّثمير النافرة ، ولا اعترض ( 1 ) قلمه بنطقه وفكره إلَّا وغدت الثلاثة على كل ما فيه عمارة ما يفوّض إليه من الأعمال متضافرة ؛ وذلك لما اجتمع فيه من عفّة نفسه وكمال معرفته وطهارة يراعه ، واتّصف به من حسن اضطلاعه وجميل اطَّلاعه ، وجبلت عليه طباعه من نزاهة زانت خبرته ومنّ ينقل مشكورا عن طباعه . ولما كان فلان هو الَّذي حنّت إليه رتبته وتلفّت إليه منصبه ودعته وظيفته النّفيسة إلى نفسها ، واعتذرت بإقبالها إليه في يومها عن نشوزها عنه في أمسها ، واشتاقت إلى التّحلَّي بفضائله الَّتي لم تزل تزهى بما ألفته منها على نظرائها من جنسها - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نجمّل لها عادتها ونجدّد له من الإحسان بمباشرتها السّعيدة إعادته ، ونعيد إليه بمباشرة نظره الجميل مسرّته الَّتي ألفها وسعادته . فلذلك رسم . . . - لا زال برّه لعماد الدّين رافعا ، وأمره بالإحسان شافعا - أن يفوّض إليه نظر المملكة الحلبيّة على عادة من تقدّمه . فليباشر هذه المملكة الَّتي هي من أشهر ممالكنا سمعة ، وأيمنها بقعة ، وأحسنها بلادا ، وأخصبها ربا ووهادا ، وأكثرها حصونا شواهق ، وقلاعا [ سوامي ] ( 2 ) سوامق ، وثغورا لا تشيم ما افترّ منها البروق الخوافق ، مباشرة تزيد
--> ( 1 ) كذا . وفي هامش الطبعة الأميرية « لعله : اعتضد » . ( 2 ) الزيادة مما سيأتي بعد حوالي عشر صفحات .